جمهورية السودان

الموقع والمساحة

يحتل السودان الجزء الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا. بين دائرتي 4 و 22 شمال خط الاستواء وخطي الطول 22 و 38 ويمتد طول الحدود البحرية على ساحل البحر الأحمر إلى حوالي 670 كلم، وتحده دولتان عربيتان هما (مصر وليبيا) و7 دول أفريقية. هذا الموقع جعل من السودان المعبر الرئيسي بين شمال أفريقيا العربي وجنوبها الزنجي. كما أنه حتى منتصف القرن الحالي، الممر الرئيسي لقوافل الحجيج والتجارة من غرب إفريقيا إلى الأراضي المقدسة وشرق أفريقيا. تبلغ مساحة السودان حوالي 2.5 مليون كلم مربع وهو بذلك أكبر الدول الإفريقية كما يأتي في المرتبة الحادية عشر بين بلدان العالم الأكبر مساحة.

نتيجة لكبر المساحة هذه تباينت بيئات السودان الآيكلولوجية وموارده وثرواته الطبيعية كما تعددت أجناس سكانه وأعراقهم وثقافاتهم.

  • السطح والتربة

أراضي السودان عبارة عن سهل رسوبي منبسط قليل الانحدار تتخلله مرتفعات تغطي أقل من 5 % من مساحته الكلية؛ أهمها جبال الاماتنوج في الجنوب، تلال البحر الأحمر في الشرق، جبال النوبة في جنوب كردفان، وجبل الميدوب وجبل مرة في دارفور. يمثل نهر النيل أهم ظاهرة جيمورفولوجية في السودان ويمتد حوالي 1700 كلم من الجنوب الشمال كما يغطي حوض النيل وروافده في السودان حوالي 2.5 مليون هكتار (25000 كلم).

تتكون سهول السودان من أنواع مختلفة من التربة أهمها :

·         التربة الرملية في إقليم الصحراء وشبه الصحراء في شمال وغرب السودان: وهي تربة هشة قليلة الخصوبة تستغل في زراعة الدخن والفول السوداني والسمسم والكركدي كما توفر مرعى هاماً للإبل والضأن والماعز.

·         التربة الطينية في أواسط وشرق السودان: وهي تمثل أهم مناطق زراعة القطن والزراعة الآلية المطرية كما تمثل مصدرا هاما لمنتجات الغابات. خاصة حطب الوقود والصمغ العربي. ومعظم إنتاج السودان من الذرة، المحصول الغذائي الرئيسي يتم فوق هذه التربة.

·         مجموعة التربات الحديدية الحمراء في جنوب السودان: تتميز بانخفاض خصوبتها وقابليتها للتدهور. لذلك فان نمط الزراعة المتنقلة ظل أكثر نظم استخدام الأرض ملائمة لهذه التربة.

·         مجموعة التربات الرسوبية السلتية على ضفاف الأنهار والأودية ودلتا طوكر والقاش:وتتميز هذه التربات بخصوبتها العالية لتجددها السنوي.

·         التربة البركانية الخصبة في جبل مرة.

وتُقدر المساحة الصالحة للزراعة في السودان بحوالي200 مليون فدان (84 مليون هكتار)، المستغل منها حاليا 40 مليون فدان (20%) منها 4 مليون فدان بالري الصناعي و36 مليون فدان زراعة مطرية، بما فيها المطري الآلي (14 مليون فدان) والمطري التقليدي (22 مليون فدان).

  • المناخ

يسود السودان المناخ المداري والذي يتميز بارتفاع درجات الحرارة معظم أيام السنة وتدرجه من جاف جدا في أقصى الشمال إلى شبه الرطب في أقصى الجنوب. تصل درجات الحرارة أقصى معدلاتها في فصل الصيف (مارس – أكتوبر) حيث يصل المعدل اليومي في شهري مايو ويونيو إلى أكثر من 42.9 مئوية في شمال السودان وإلى حوالي 34 في الجنوب. خلال فترة الصيف تنخفض درجات الحرارة في شهري يوليو وأغسطس بمعدل 5 – 8 بسبب هطول الأمطار. في فصل الشتاء (نوفمبر – مارس) تصل درجات الحرارة إلى أدني معدلاتها في ديسمبر ويناير. المتوسط اليومي في الشتاء هو 15.9 مئوية في الشمال 28.8 في الجنوب..
وتتصف أمطار السودان بأنها تصاعدية تتحكم فيها حركة الفاصل المداري شمالاً وجنوباً بين خط الاستواء ومدار السرطان. باستثناء ساحل البحر الأحمر حيث المطر الشتوي، يقتصر هطول الأمطار على فصل الصيف. وتبلغ أعلى معدلاته في شهر أغسطس حيث يبلغ الفاصل المداري أقصى امتداد له شمالاً. تسود سمات الصحراء في أقصى الشمال حيث يقل المطر السنوي 50ملم، وتزيد كمية الأمطار وكذلك طول المطر الزراعي تدريجياً نحو الجنوب حيث يصل المتوسط السنوي للأمطار 1400 ملم وطول الموسم الزراعي في أقصى الجنوب.

  • المياهـ

يتميز نهر النيل وروافده بموارد مائية هائلة تغطي حوالي 25000 كلم مربع، ويقدر الإيراد السنوي لنهر النيل بحوالي 58.9 مليار متر مكعب يساهم فيها النيل الأزرق بحوالي 58.9%. ويلعب النيل دوراً حيوياً في حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي علاقات السودان الخارجية خاصة مع دول حوض النيل.
تستغل مياه النيل وروافده في الري وتوليد الكهرباء من خزانات الرصيرص وسنار وخشم القربة، وفي الملاحة وصيد الأسماك.

 اتفاقية مياه النيل لعام 1959 منحت مصر 55.5 مليار متر مكعب سنويا من مياه النيل والسودان 18.5 مليار متر مكعب، ومن المؤمل أن يضيف مشروع قناة جونقلي في جنوب البلاد والتي توقف العمل بها لظروف أمنية حوالي 2.4 مليار إلى نصيب كل من الدولتين.

 بالإضافة لمنظومة النيل يزخر السودان بالعديد من البحيرات الداخلية والأودية الموسمية التي تلعب دوراً هاماً في حياة السكان الاقتصادية، خاصة في شرق وغرب البلاد.

مخزون المياه الجوفية يقدر بحوالي 9000 مليار متر مكعب تتوزع بين حوضين جوفيين رئيسيين هما الحوض النوبي الرسوبي في شمال غرب السودان وحوض تكوينات أم روابة في جنوب وسط السودان. يستغل السودان حاليا حوالي 2 مليار متر مكعب من المياه الجوفية لأغراض الري والاستخدامات المدنية. التغذية السنوية للمياه الجوفية تقدر بحوالي 4.5 مليار متر مكعب.

البحر الأحمر منفذ السودان الملاحي إلى العالم الخارجي به مواني بورتسودان وسواكن وأوسيف بالإضافة إلى مراسي أخرى صغيرة متعددة. ويتميز ساحل البحر الأحمر بوجود غابات القرم (المانقروف) التي تنمو في الخلجان والشعب المرجانية التي تأوي أصنافاً متعددة من الحياة البحرية النادرة. وكذلك يشتهر البحر الأحمر بجزره الرملية ذات الطبعة الساحرة وهذه جميعها تعتبر عاملاً هاماً في صناعة السياحة بالسودان مستقبلاً.
تزخر البيئات المائية العذبة والمالحة بمجموعات متنوعة من الأسماك والقشريات والقواقع البرمائية. ويتملك السودان ثروة هائلة من الأسماك إذ بالإمكان إنتاج أكثر من 140.000 طن سنويا منها 35.000 طن من البحر الأحمر و100.000 طن من نهر النيل وفروعه و5.500 طن من بحيرة النوبة.

  • النبات الطبيعي

إن امتداد السودان عبر 18 درجة من خطوط العرض (حوالي 2000 كلم) وتباين أحوال المناخ والتربة والطبوغرافيا قد أدت جميعها إلى تباين النباتات الطبيعية وتنوعها. عموما يمكن تمييز 7 أقاليم نباتية، تتدرج من الصحراء في الشمال إلى إقليم الغابات المطيرة في أقصى جنوب غرب البلاد.

م

الإقليم

المساحة

توسط المطر السنوي

خصائص والمميزات

1

الصحراء

28.94

<50

ربة رملية – ينحصر نمو النبات الطبيعي في الخيران الموسمية وضفاف النيل

2

شبه الصحراء

19.64

75-300

شجار شوكية ونباتات حولية ومعمرات مقاومة للجفاف – مراعي موسمية في الخريف – زراعة مطرية عرضة لأخطار الجفاف

3

سافنا فقيرة

250-650

250-650

سودها أشجار الأكاسيا الشوكية أشجار الهشاب فوق الرمال – تتركز فيها المشاريع الزراعية والمروية كما يتركز في غالية السكان

4

سافنا غنية

20.25

450-1300

شجار عريضة الأوراق غير شوكية مراعي غنية وبيئة غنية بالحيوان البري

5

قليم السدود

9.8

800-1000

أكبر إقليم مستنقعات في العالم وتسودها أعشاب النيل والبردي والبوصي

6

الغابات المطيرة

3.5

أكثر من 1300

غابات استوائية غنية ذات قيمة اقتصادية عالية مثل نخيل الزيت

7

نباتات المرتفعات

0.24

في جيوب متفرقة

في تلال البحر الأحمر. جبال النوبة والاماتونج وجبل مرة. تتميز بعينات نادرة من النباتات

جدول (1) : أقاليم السودان النباتية - المصدر ويكنز (1991)

وتغطي الغابات حوالي 12.7 مليون فدان (5.3 مليون هكتار) أي حوالي 2.4% من مساحة السودان. أكثر من 60% من هذه الثروة في جنوب البلاد.

 الصمغ العربي أهم منتجات الغابات في السودان ويقد الإنتاج السنوي حوالي 45000 طن تساهم بحوالي 20% من قيمة الصادرات في البلاد. كذلك تمثل الغابات المصدر الرئيسي للطاقة حيث تساهم بحوالي 87% من جمل استهلاك الطاقة في السودان. بالإضافة إلى ذلك تلعب منتجان الغابات دورا هاماً في الصناعات الشعبية الفلكلورية. كما يدخل الكثير منها في العلاج الشعبي.

  • الحياة البرية

السودان غني بالثروة الحيوانية البرية التي تتنوع أجناسها وأصنافها بتعدد البيئات الآيكلولوجية الممتدة من الصحراء حتى الغابات الاستوائية. فمن بين ثلاثة عشر رتبة من الثدييات الموجود في أفريقيا يوجد بالسودان منها اثنتا عشر رتبة تحوي عددا كبيرا من الأسر والأجناس والأصناف والأنواع وأهمها الفيل والجاموس والزراف ووحيد القرن والغزلان والقردة والحيوانات المفترسة كالأسود والضباع وغيرها. وقد كانت أجزاء الحيوانات مثل جلود الزواحف والمفترسات وسن الفيل وقرن الوحيد وريش النعام تمثل جزء هاما من صادرات السودان العالم الخارجي حتى نهاية القرن التاسع عشر. كما لعبت هذه الثروة دوراً هاماً في إثراء التراث الشعبي والثقافي للسكان. كذلك يوجد بالسودان قرابة الألف نزع من الطيور وعدد غير معروف من تمام الزواحف والحشرات.

  • الثروة المعدنية

البترول

بدأ البحث عن البترول منذ عام 1959في منطقة البحر الأحمر ثم تحول البحث في السبعينات إلى غرب وجنوب السودان في عام 1996 بدأ الإنتاج (10.000 برميل في اليوم) للاستهلاك المحلي حيث تم تشيد وتشغيل مصفاة الأبيض. في سبتمبر 1999بدأ الإنتاج التجاري والتصدير (150.000 برميل في اليوم) بعد أن اكتمل خط الأنابيب الناقل من حقول البترول في بانتيو والوحدة وهجليج إلى ميناء بشائر إلى ساحل البحر الأحمر (1619 كلم).ويبلغ انتاج البترول اليوم في السودان حوالي 400000 برميل يومياً.

كذلك اكتمل تشييد مصفاة الخرطوم بغرض التسويق المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من مشتقات البترول.

الذهب

يتركز إنتاجه حالياً في منطقة أرياب بولاية البحر الأحمر. ووصل الإنتاج في عام 1998إلى 5.67طن من الذهب الخالص بعائد إجمالي قدره حوالي 54مليون دولار.

يضاف إلى هذا الغاز الطبيعي الذي تم اكتشافه بكميات وفيرة في منطقة البحر الأحمر، كما أن هناك معادن أخرى كثيرة أهمها الحديد والكروم والنحاس والزنك والمايكا والجبس والاسبستوس بدأ استغلال بعضها تجارياً.

 

إنسان السودان

  • حجم وخصائص السكان

بلغ مجموع السكان في عام 1998(الصندوق القومي للسكان) حوالي 30.3 مليون شخص. منهم 84% (25.4 مليون) في شمال السودان. معدل النمو السنوي للسكان حوالي 2.63% مما يعني أن مجموع السكان سوف يتضاعف خلال 27 عاما أي بحلول عام 2025. التركيب النوعي للسكان يشير إلى أن نسبة الذكور إلى الإناث هي 1.5-1% غير أن هذه النسبة تتفاوت من منطقة جغرافية لأخرى حيث أنها 94% في الولاية الشمالية و 91.8 في شمال كردفان. غالبية سكان السودان هم من صغار السن حيث تبلغ نسبة الأطفال تحت سن الخامسة 16.3% من مجموع السكان. أما الذين هم دون سن الخامسة والعشرين فيمثلون 61.5 بينما يمثل كبار السن (60 سنة أو أكثر) 3.8 %.

  • التوزيع المكاني للسكان

بلغت الكثافة السكانية الخام 12 شخص/كلم2 في عام 1998. غير أن هذه الكثافة تتباين كثيراً وفقاً لتباين توزيع الموارد الطبيعية خاصة موارد المياه. ولعوامل تاريخية واقتصادية وسياسية أخرى كثيرة. غالبية السكان في شمال السودان يتركزون على وادي نهر النيل وروافده، وفي مناطق السافنا خاصة في أواسط وشرق السودان حيث تتركز المشروعات الزراعية الكبرى ومشاريع الزراعة الآلية وتزدهر المدن الكبرى. مناطق الكثافة المتوسطة تتمثل في مناطق الزراعة المطرية التقليدية، خاصة في كردفان ودارفور. أما الصحراء في الشمال فأن الكثافة تقل عن 1 شخص/كلم2. في جنوب السودان، وبسبب عدم الاستقرار وانعدام الأمن قبل حلول السلام الآن فأن الغالبية العظمى من السكان يعيشون في المدن .

النمط

55/1956

1973

1983

1993

حضر

8.8

18.5

20.5

29.2

ريف مستقر

77.5

70.0

68.5

68.1

بدو

13.7

11.5

4.11

2.7

جدول (2) توزيع السكان حسب نمط المعيشة 55/1956-1993(%)

  • التحضر في السودان

يتميز السودان كغيره من بلدان العالم الثالث بتسارع النمو الحضري حيث بلغت نسبة سكان الحضر في عام 1998 حوالي 33.1% مقارنة بـ 8.8% في عام( 55/56 (. وقد شهدت الخرطوم الكبرى معدل نمو سنوي وصل حتى 6.8% خلال الفترة 1983-1993، كما وصلت النسبة في كل من بورتسودان وود مدني إلى 6.2% و7.1% على التوالي. وبافتراض معدل نمو سنوي قدره 4% فأنه من المتوقع أن يشكل سكان الحضر حوالي 50% من مجموع سكان السودان بحلول 2010م.

  • الهجرة الدولية الوافدة

ظل السودان ومنذ أقدم العصور مصدر جذب لكثير من هذه الهجرات الدولية خاصة من دول الجوار. زاد حجم هذه الهجرات بصورة واضحة بعد انتشار الإسلام في غرب أفريقيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر حيث استقرت مجموعات كبيرة من حجيج غرب أفريقيا بالسودان. مما ساعد على هذه الهجرات كذلك التطور الزراعي بالسودان وقيام المشروعات الزراعية الكبرى في الجزيرة وعلى ضفاف النيلين الأبيض والزرق وشرق السودان.

عدم الاستقرار السياسي في كثير من دول الجوار الإفريقي خاصة إثيوبيا وإرتريا وتشاد وزائير ويوغندا جعل الكثيرين من سكان هذه الدول يستقرون في السودان كلاجئين. ويقدر عدد اللاجئين في السودان اليوم بحوالي مليون شخص. غالبيتهم إريتريون مما يجعل السودان واحد من بين العشرة دول الأولى في العالم استضافة للاجئين. ويتركز معظم اللاجئين (حوالي 70%) في مدن وأرياف شرق السودان، بالإضافة إلى المدن الكبرى في وسط السودان (خاصة الخرطوم).

  • هجرة السودانيين إلى الخارج

حسب مسح وزارة القوى العاملة لعام 1996 فان عدد السودانيين بالخارج يبلغ حوالي 400.000 شخصا، حوالي 78% منهم بالمملكة العربية السعودية و 76% من أسباب الهجرة هو العامل الاقتصادي وأن معدلات الأمية وسطهم تبلغ 14% كما تبلغ نسبة الجامعيين 25%.

  • التنوع الثقافي

تضافرت عوامل الموقع والجغرافيا والتاريخ في تشكيل شخصية السودان وهويته المتفردة بتنوعها الإثني والعرقي والثقافي وانتماءاتها العربية والإسلامية والأفريقية. فالسودان يضم ما بين 570 و595 مجموعة قبلية، تنقسم إلى 56 مجموعة عرقية لكل منها عاداتها وتقاليدها وإرثها الثقافي والحضاري المميز. كما أن لغالبيتها دارها وأماكن وجودها المعروفة رغم الحراك السكاني الواسع وانتشار عمليات الاختلاط والتزاوج والانصهار. وهناك أيضاً أكثر من مائة ألف لغة في السودان تمثل لغات التعامل اليومي وتشكل اللغة العربية اللغة الأولى للتخاطب بالقطر، وعلى حسب تعداد 55/1956 فان حوالي 51% من السكان يتحدثون اللغة العربية بينما كان عدد السودانيين الذين هم من أصول عربية حوالي 39% من مجموع السكان في ذلك التعداد. وما من شك أن استخدام اللغة العربية قد انتشر كثيرا خلال العقود الأخيرة بسبب تزايد الحركة السكانية والاختلاط. في عام 1993 نجد أن حوالي 79% من مجموع السكان الحضر يتحدثون العربية بينما يتحدثها 71% من سكان الريف. تأتي لغات دارفور وبعض اللغات الأفريقية الأخرى في المرتبة الثانية في شمال السودان إلى جانب اللغات البجاوية (شرق السودان والنوبية (شمال السودان). في جنوب السودان تسود اللغات النيلية مع وجود لغات أفريقية أخرى.
بسبب تداخل وانصهار هذه المورثات فقد انتظمت السودان منظومة من العادات والتقاليد شملت كل جوانب الحياة وميزت الشخصية السودانية. فبالرغم من آثار التحديث لا زال السودان يحمل سمات الموروث الريفي المتمثلة في التضامن المجتمعي القوي والتكافل والحس الوطني الفاعل. وقد انعكس كل ذلك في مظاهر عديدة مثل تربية النشء وفي تقديس الحياة الأسرية والعمل على تنمية أواصر القربى مع تقديم واجب الاحترام للقادة التقليديين من نظار للقبائل ومشايخ وعمد وكبار السن ورموز دينية والذين ساهموا جميعاً بقدر كبير في قيادة المجتمع وإدارة شئونه.

  • ثراء المنتوج الفني والتشكيلي

المتتبع للتاريخ الاجتماعي والحضاري للمجتمع السوداني لا بد أن ينظر إلى كمجتمع أفريقي عربي يستوعب كل قيم الإسلام والمسيحية والوثنية واللاعقدية. وقد انعكس كل هذا التنوع والثراء في عناصر مثل الموسيقى، الغناء، الرقص، الإيقاعات بأصولها الأفريقية والعربية، وفي فن التشكيل والحكمة الشعبية والمأثورات التي تعكس جميعها ثقافة كل منطقة وخصوصيتها في ظل التنوع والتعدد الثقافي.

يشكل الرقص والغناء والموسيقي عناصر فاعلة من عناصر الوعي الاجتماعي إذ لا يخلو منشط من مناشط الحياة الاجتماعية منها، كما تستخدم وبأشكال مختلفة في الأفراح وكذلك الوفاة والنفير والأعياد والمناسبات القومية والإقليمية والمحلية. وقد لعبت الثقافة الإسلامية العربية دوراً فاعلاً في انتشار ممارسات الطرق الصوفية الموسيقية.
كذلك لعبت الأغنية والشعبية منها وجه التحديد دورا مؤثراً أكثر من غيرها من أدوات الإبداع الشعبي وعن طريقها يمكن التعرف على خصائص المجتمعات السودانية وتاريخها السياسي والاجتماعي وهويتها الثقافية وممارساتها الطقسية. وقد نقلت الأغنية الشعبية في السودان الكثير من المعارف والمأثورات والحكم الشعبية بين مختلف الأقاليم لما تتمتع به من خاصية نتج عنها كسر الحواجز الإقليمية والإثنية والعرقية كما حملت تعدد الثقافات ونشرها فكانت عاملاً هاماً من عوامل الانصهار الثقافي والاجتماعي وبلورة الوعي القومي وتكامل الذات السودانية.
أما في الجانب التشكيلي فقد كان لثراء وتنوع إنسان السودان دورا فاعلاً في صيغ إبداعاته التشكيلية بذلك التنوع وتلك الكثرة فأنتج دوراً في مجالات النسيج والمصنوعات اليدوية وأعمال الفخار والنحت وخلافه عكست جمعها خصوصية كل منطقة وثراء التنوع في السودان وبذلك جمع فن التشكيل في السودان بين الواقعية والتجريد وبين الكثرة والتنوع في روعة وجلال.

 

موقع السودان في وسط أفريقيا وامتداده من خط عرض 4 إلى 22 ش بمساحة قدرها 2.5 مليون كلم2 جعله ملتقى للطرق شمالا وجنوبا، شرقا وغربا. كما أن امتداده مكنه من التمتع بعدد من المناخات التي جعلته يحوي بيئات متباينة وثقافات مختلفة وأنشطة بشرية تختلف باختلاف نوع الموارد الموجودة في كل بيئة.
تعتبر التربة أو الأرض هي السجل المدني الذي يحتفظ بمخلفات الحضارات في نظام متناسق.

لقد بدأت الكشوفات الأثرية بصورة منتظمة ودقيقة بعد غزو الأتراك للسودان عام 1820م إلا أن هنالك بعض الكشوفات التي قام بها مهتمون أجانب قبل ذلك بكثير وكان لها أثر كبير في إزالة الستار عن نهضة تليدة سادت بلاد السودان، ومن اولئك جيمس بروس (1730-1794)، وليم جيمس براون (1793)، بوركهات (1784-1817).
أما أهم الكشفيات فقد قام بها أركل والذي شغل منصب أول مدير لمصلحة الآثار السودانية (1938-1948) ثم خلفه شيني والذي واصل حفرياته ورئاسة مصلحة الآثار من (1948-1958) ثم خلفه جان فركوتية لفترة قصيرة قبل أن تؤول رئاسة المصلحة للسودانيين وأولهم كان البروفيسور نجم الدين محمد شريف الذي سودن المصلحة.

يمكننا القول بان الدراسات والحفريات والكشفيات الأثرية بدأت بصورة أكاديمية وعملية في بلاد السودان وخاصة الجزء الشمالي منه عندما بدأ العمل في خزان أسوان (1889- 1902) الأمر الذي أدي إلى بحيرة صناعية منسوبها نحو 106 متر فوق سطح البحر وبعد التعليات المتعاقبة للخزان وضح أنه بدأ يغطي مساحات كبيرة داخل مصر وحوالي 140 كلم طولي في السودان وكلتا المنطقتان كانتا مهداً لحضارات عريقة دل عليها المعمار المتقدم والقرابين التي وجدت في مقابر النبلاء والملوك.

ولا يظهر الاختلاف بين مخلفات الحضارة السودانية والحضارة المصرية إلا قرب عام 3000 ق. م. ومن هنا بدأ الاختلاف في مناصب كثيرة منها العادات الجنائزية والأواني الفخارية والأدوات الحجرية ثم المعدنية.

وجدت مواقع كثيرة لهذا العصر وهو يمتد من 20.000 ق. م. إلى 5.000 ق. م. وينقسم إلى ثلاثة أقسام : عصر حجري قديم – عصر حجري وسيط – عصر حجري حديث. وكان الإنسان آنئذٍ جامعاً ولاقطاً ويعتمد على ما تجود به الطبيعة .أن معظم هذه المواقع تم اكتشافها بالصدفة إما عند بناء منزل أو شق ترعة أو حرث زرع وذلك يعني بالتأكيد أن هنالك الكثير جداً من المواقع التي لم يتم اكتشافها أما لأنها طمرت تحت مدينة أو مشروع زراعي أو لوقوعها في الصحراء بعيداً عن العمران وليس هنالك ما يشير إليها على السطح.

كشفت الحفريات فيما بين عامي 1907-1910 في بلاد النوبة عن حضارات ذات قيمة تاريخية وثقافية عالية ونظراً لأنها أول مجموعات استقرار ببلاد السودان فيما قبل التاريخ فقد قسمها الآثاريون إلى ثلاثة مجموعات ورمزوا لها بالحروف (ABCD-X) وتمثل كل مجموعة عصرا بعينه.

المجموعة الأولى:

ازدهرت في أخريات الألف الرابعة قبل الميلاد وقد سماها مكتشفها (رايزنر) (GROUP A) أو المجموعة (أ) وهي المجموعة التي تملك أقدم أدوات نحاسية اكتشفت في السودان بالإضافة إلى فخار مصري الأصل وقد عاصرت هذه المجموعة الأسرة المصرية الأولى في مصر 3200 ق. م. وأهم مواقع هذه الحضارة هي(عكاشة) على بعد 128 كلم جنوب وادي حلفا والثاني في فرس على بعد 21كلم شمال وادي حلفا وكانت تسمى باخوارس القديمة والأخيرة في (جمي) على بعد 25 كلم جنوب وادي حلفا. نسب علماء الآثار هذه المجموعة إلى العصر الحجري الحديث.



المجموعة الثانية:


أو المجموعة ب (B) وهي تتفق تماما مع الأسرة المصرية القديمة من حيث الزمن 2280 ق. م. اتسمت هذه المجموعة بالفقر الثقافي والاقتصادي.



المجموعة الثالثة:

ظهرت هذه المجموعة الثالثة وهي (GROUP C) قرب أخريات الدولة المصرية القديمة 2240 ق. م. – 2150 ق. م. وهي تنتمي إلى العصر النحاسي أي نفس الوضع الاقتصادي المعتدل – للمجموعة الأولى وكان حدها الشمالي (الكوبانية بحري) 15 كلم شمال غربي أسوان أم الجنوبي فينتهي في منطقة بطن الحجر 144 كلم جنوب وادي حلفا.

حضارة كرمة

انتشرت حضارة كرمة في منطقة دنقلا العرضي(دنقلا الحديثة) ووصلت شمالا حتى منطقة مرجسة أما جنوبا فقد وصلت إلى جزيرة أرقو 32 كلم شمالي كاوا بدأت فترة جديدة أول مراحل حضارة كرمة بنهاية الدولة المصرية القديمة انتهت بقيام الدولة الحديثة وبداية تمصير النوبة (2280-1575 ق. م.) وكانت سماتها الثقافية المميزة أواني فخارية على درجة رفيعة من الصقل بالإضافة إلى أواني فخارية أخرى على هيئة حيوانات بالإضافة إلى خناجر نحاسية ومصنوعات خشبية مطعمة بالعاج والمايكا في أشكال زخرفية وحلة مخيطة على قلانس جلدية كما وجدت مصنوعات خشبية مطعمة بالعاج والمايكا وعناقريب خشبية تتميز بمساند للرأس وفي ذلك تختلف عن العناقريب المصرية. أهم ميزة ثقافية مميزة لحضارة كرمة فهي شعائر الدفن حيث تتسم المقبرة برمس ترابي مقبب تحيط به حلقة من الحجارة السوداء منثور عليها حصى أبيض أما من الداخل فنجد الجدران من الطين الآجر وهي دائرية الشكل ارتفاعها 3أمتار وقطرها 90مترا وفي منتصف الجدار بهو يؤدي إلى غرفة الدفن وكان جثمان صاحب الرمس يسجى على سرير خشبي له وسادة تحت الرأس ومروحة من ريش النعام ونعلان ويوضع عدد كبير من الأواني الفخارية تحت السرير كما تم العثور على مقاصير من الطوب عليها نقوش وكانت بمثابة مكان تقيم في طقوس الدفن وكثير ما نجد مع الميت بقايا أشخاص في الغالب أنهم قرابين بشرية.
من الواضح أن حضارة كرمة ذات إدارة مركزية يتزعمها أمير ويبدو أن وضعهم الاقتصادي كان جيدا وكذلك التقني والتعبدي  ، ا أما أصل أصحاب حضارة كرمة فيرجع معظم علماء الآثار إلى أنهم من شمال أفريقيا وعليهم سحنة زنجية.

أتضح من مخلفات هذه الحضارة أن نوع الاقتصاد كان يعتمد على محورين هما : الزراعة والرعي إضافة إلى الصناعة والتبادل التجاري بين مصر والسودان والذي تجلى في وجود أشياء مصرية في السودان وسودانية في مصر.

قيام مملكة نبتة :

كان مركز هذه المملكة هو جبل البركل 2 كلم شمال كرمة ويبعد حوالي 1.5 كلم من النيل وكان يسمى بالجبل المقدس كما جاء في المصرية القديمة (جو – رعب) أي الجبل الطاهر. ويعتبر اختيار نبتة كعاصمة موفقاً حيث أنها تتصل بالشمال والجنوب عن طريق النيل فضلاً عن الطريق البري عند (أبو آدم) والذي يخترق صحراء بيوضة حتى يصل إلى شندي. ونجد في سفح جبل البركل معبدا ضخماً لآمون ذو أعمدة مستديرة وحجرات متعددة وتحرسه من الأمام خراف من الحجر كما هي العادة أمام المعابد الآمونية وفيها يتجلى فن النحت الذي لا يتناسب إطلاقا مع حياة البداوة التي كانت سائدة وقت ذاك. كانت نبتة عاصمة دينية وبها أهرامات لبعض الملوك على نسق أهرامات البجراوية إلا أنها أصغر حجماً كما وجدت مقابر بمنطقة الكرو على بعد 12 كلم جنوب نبتة حيث وجدت لأول مرة جثث محنطة في توابيت. أما أهم أفراد أسرة نبتة وهو ترهاقا فقد اختار منطقة نوري غرب النيل موقعاً لأهرامه الذي يعتبر من أكبر الأهرامات في وادي النيل.

تقول المسلات أن الملك كاشتا مؤسس مملكة نبتة قد حكم النوبة السفلى حتى منطقة طيبة وكان ذا نفوذ عظيم وبعض المؤرخين ينسبون هذه الفتوحات إلى ابن كاشتا بعنخي.


استمرت مملكة نبتة من عام 750 ق. م. حتى عام 650 ق. م. ثم نقلت العاصمة إلى البجراوية جوار كبوشية الحالية وذلك للأسباب الآتية ..

1.    نسبة لتوسع العاصمة نبتة وزيادة السكان والأنعام فقد وضح أن منطقة البركل صحراوية ولا تفي باحتياجات السكان والحيوان زيادة على ضيق الشريط الزراعي على النيل.

2.    الابتعاد جنوباً خوفاً من انتقام المصريين بعد ان استعمرتهم الأسرة النبتية مائة عام.

3.    البجراوية مطلة على سهل البطانة وهو سهل واسع وأرضه خصبة وأمطاره نسبياً غزيرة.

4.    وجود خام الحديد في صخور تلك المنطقة بالإضافة إلى وجود أشجار كثيرة تستخدم في إيقاد كماين لصهر الحديد وقد عرفت مروي القديمة بأنها برمنجهام أفريقيا.

مروي البجراوية :

تقع مدينة مروي على بعد 213 كلم شمال الخرطوم وقد انتقلت إليها العاصمة من نبتة عام 591 ق. م. كما أن دولة مروي قد عاصرت حكم الفرس والبطالمة في مصر. ويوجد بالبجراوية نوعان من المعابد :

o      المعبد الآموني وإلهه آمون.

o      المعبد المروي وإلهه أباداماك.

كما عرف المرويون اللغة الهيروغليفية واللغة المروية والتي لم يفلح أحد في فك رموزها إلى يومنا هذا.
كذلك نجد بمنطقة مروي حوالي 211 هرماً تابعة للملوك والنبلاء أما العامة فكانت لهم مقابر تخصهم ليس عليها أي علامات مميزة. هذا بالإضافة إلى حمام ملكي ومعبد أخر يدعى معبد الأسد.

تعتبر منطقة مروي من أشهر عواصم العالم فيما قبل التاريخ كما أن نفايات الحديد الموجودة بالمنطقة لهي خير شاهد على حجم التصنيع الذي كان سائداً. انتهت دولة مروي عام 350 ق. م.

تعود معرفتنا للعهد المسيحي القديم للحفريات التي سبقت قيام السد العالي. أزاح الكشاف الستار عن كثير من الكنائس والمعابد المسيحية التي تركزت بشكل واضح في المدن وعلى النيل الشيء الذي جعل بعض المؤرخين يعتقدون بأن الدين المسيحي كان دين الحكام والنبلاء والشيء، الذي يعزز هذا الرأي هو أننا لم نجد كنائس أو معابد بعيدة عن المدن أو في السهول السودانية حيث يوجد الرعاة والزراع.
يقول الأب جوفاني فانتين أن المسيحية دخلت السودان في أواخر عهد الدولة المروية وأن أول سوداني اعتنق المسيحية هو وزير خزانة الكنداكة ملكة مروى عام 31 م.

ويضيف فانتين أن المستكشفين L.P. Kerman and W.B. Emery وأثناء حفرياتهم بين عامي 1930-1933 وجدوا في منطقة بلانة السودانية الواقعة على الحدود المصرية بعض المقابر لملوك يرجع تاريخها لعام 500 م وبها بعض التحف النحاسية والفضية وجميعها مختومة بالصليب.

وفي حوالي 390م زار الكاتب روفينست في صعيد مصر ولاحظ فيها وجود بعض الرهبان الإثيوبيين من المناطق جنوب حدود مصر.

وهكذا يخلص الكاتب إلى أنه كان هنالك نفوذ مسيحي عندما بدأت الدولة المروية التدهور في النصف الأول من الألفية الأولى وهذه الفترة توافق انتشار المسيحية في مصر. الشيء الذي يعضد هذا الرأي هو وجود علاقات تجارية قوية بين مصر والسودان في ذلك الحين.

 بعد انهيار المملكة المروية في حوالي 350 م وانقسم السودان إلى ثلاثة ممالك :

1.نوباتيا وعاصمتها فرس.
2.المقرة وعاصمتها دنقلا.
3.علوة وعاصمتها سوبا (14 كلم جنوب الخرطوم).

السودان في عهد السلطنات 1504-1821م

أهم مميزات هذه الفترة هي الارتباط والتداخل بين ثلاثة من الظواهر المختلفة:

·          انتشار الإسلام كدين فيما يعرف حالياً بالقطر السوداني.

·         انتشار العناصر العربية السلالية والثقافية ويشمل ذلك انتشار اللغة العربية وتعريب القيم والعادات.

·         ظهور وانتشار المؤسسات السياسية والاجتماعية والإسلامية في شكل سلطنات ومشيخات.

كما أن هنالك ملاحظة أخرى وهي أن المناطق التي تكون السودان الحالي كانت متصلة ومتداخلة في تكوينها الثقافي والاجتماعي بالرغم من تفككها الإداري الذي حال دون قيام دولة موحدة حتى عام 1821م بعد غزوة الأتراك للسودان.

عندما دخل المسلمون مصر ودانت لهم بدأت الاشتباكات بينهم وبين النوبة في شمال السودان وفي عام 642 م قام المسلمون بحملة كبيرة على بلاد النوبة بقيادة عبد الله بن أبي السرح والي الخليفة عثمان بن عفان وانتهت الحملة بعقد اتفاقية بين الطرفين عرفت باتفاقية البقط.  

لقد حكمت هذه الاتفاقية علاقة النوبة بالعرب المسلمين حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. ومع ذلك كانت الاتفاقية تتعرض للتعديل من وقت لأخر كما حدث في عهد المهدي العباس أو المعتصم عندما زاره ملك النوبة وأتفق معه على دفع بقط سنة عن كل ثلاث سنوات. سمحت هذه الاتفاقية بالحركة للسكان بين البلدين (تجارة وسياحة ومنافع أخرى) وبدأ بعض الأعراب في حيازة الأراضي في بلاد النوبة والاستقرار فيها إذ كانت الأحوال السياسية والمعيشية مستقرة نسبيا في السودان أكثر منها في مصر وبدأت المصاهرة والمعاملات بين الشعبين في اتساع وأخذ الإسلام واللغة العربية في الاندياح رويداً رويدا.

قامت دولة المماليك في مصر في الفترة من 1251 حتى نهاية القرن الرابع عشر وكانت هذه الدولة أكثر الدول الإسلامية حرصاً على بلاد النوبة وبعد مناوشات عديدة تمكن سلطان المماليك من تجريد حملة على المقرة عام 1276م وهرب ملكها داوؤد ثاني ونصب المماليك أبن أخت الملك شكندة في مكان داوؤد بعد أبرم المماليك اتفاقية قاسية تقضي بدفع جزية عن كل شخص من النوبة لم يعتنق الإسلام.

حكم سلطنة سنار حوالي خمسة وعشرين سلطانا في فترة لا تزيد عن ثلاثة قرون ويمكن تقسيم السلطنة إلى أربعة مراحل ..

المرحلة الأولى


تبدأ بعمارة دنقس المؤسس وتستمر طيلة القرن السادس عشر حتى عام 1602م وهي فترة تأسيس واستقرار من ناحية النظم والقواعد والعلاقات الداخلية والخارجية والحدود الجغرافية.

المرحلة الثانية

تبدأ بالسلطان عبد القادر بن أونسة وقد تميزت هذه الفترة بالاحتكاك الحدودي مع الحبشة وانفصال الشايقية وشهدت كذلك حسم تمرد العبدلاب ومقتل زعيمهم الشيخ عجيب الكافوتة. كما شهدت غزو السلطان لأراضي مملكة تقلي ولمناطق الشلك والدينا وجلب أعداد كبيرة منهم وتوطينهم حول مدينة سنار. على الصعيد الثقافي ازداد تدفق العلماء والمتصوفة وتأسيس المراكز العلمية الإسلامية والمتصوفة.

المرحلة الثالثة

تبدأ في عام 1692 حتى عام 1716 وقد تميزت هذه الفترة بدخول البعثات الدبلوماسية والتبشيرية أراضي سنار في طريقها إلى الحبشة، وكانت تلك فترة تصعيد في التنافر بين سنار والحبشة وانتهت بغزو الأحباش الذين وقفوا على مشارف العاصمة سنار إلا أن جيش سنار قد ردهم مهزومين. كما تميزت هذه الفترة أيضاً بشدة الصراع بين سلطنة سنار وسلطنة الفور على إقليم كردفان.

من الثابت أن الغزو التركي المصري كان حدثا هاماً للغاية ويكتسب أهميته من أهمية التغيرات التي طرأت على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في السودان إثر دخول هؤلاء الأجانب.

كان محمد على يطمع في بناء جيش جرار قوي كدأب حكام العالم في مطلع القرن التاسع عشر لذلك اتجه نظره نحو جنوب مصر إلى بلاد السودان الذين عرفوا بشدة البأس والبسالة عند اللقاء.
تحرك الجيش الغازي في يوليو 1820 ويتكون من 3000 مركباً و3000 جملا متخذا طريق النيل والبر الغربي.
وعند دخول الجيش بدأت ممالك شمال السودان تتساقط أمام الغزاة وأول اصطدام له كان في منطقة كورتي مع قبيلة الشايقية. أما المعركة الثانية فقد كانت خفيفة ولا تذكر في بلد بربر وهكذا بدأت السلطنات تسقط واحدة تلو الأخرى على أن دانت كل بلاد السودان لمحمد علي باشا.


بعد ذلك بدأ إسماعيل باشا في إرساء نظم الحكم والإدارة وفرض الضرائب وفي ذلك استعان بأهل البلد لدرايتهم ببيئتهم.
بدأ محمد على باشا يحكم السودان مركزيا حتى عام 1845 وبعدها تم تقسيم السودان إلى مديريات وهي دنقلا، بربر، الخرطوم، التاكا، سنار، فازغلي، كردفان وتكون هذه المديريات تحت مسئولية مصر مباشرة إلا أن هذا النظام اللامركزية أثبت فشلا وتشتتا كبيرا فاضطر محمد على إلى إرجاع المركزية عام 1846-1850 تحت إمرة خالد باشا وأهم إنجازات خالد باشا هو أنه وضع يديه على مينائي سواكن ومصوع.
كما لا يفوتنا أن نذكر أن حجم التجارة قد تضخم وزادت استثمارات محمد علي في السودان بصورة جعلت الدول الأوربية تحسده على ذلك. حتى دخول محمد على لم يكن السودانيون يعرفون من القوانين سوى الشريعة الإسلامية التي حكمت بها دولة سنار لكن الخديوي أدخل القانون الغربي والذي يعرف القانون العرفي وحصر الشرع فقط في الأحوال الشخصية.

أما على صعيد الاستثمار الزراعي فقد بدأ الأتراك عام 1825م بزراعة النيلة للصباغة والقطن والشعير وعلموا الأهالي دباغة الجلود ونجحت كل هذه التجارب. أما القطن فكان من أكبر المكاسب لحكومة الخديوي وقد اتسعت زراعته إبان حكم أحمد ممتاز باشا محافظ سواكن والذي بدأ بزراعة القطن في طوكر بدلتا خور بركة. أما في مجال التعليم فقد شجع الخديوي شيوخ الخلاوي براتب من الذرة لغذاء التلاميذ وإعانات شهرية وذهب أكثر من ذلك حيث أمر بإرسال النابهين إلى الأزهر الشريف بمصر. أما أول مدرسة فقد أسست عام 1835م بالخرطوم في عهد عباس باشا لتعليم أبناء الموظفين المصريين والراغبين من السودانيين وبعد ذلك صدق الخديوي لكل مديرية بمدرسة.

المواصلات:

نسبة لاتساع بلاد السودان ووعورة مسالكه عبر الصحاري الجافة فقد كانت وسائل الموصلات هي الجمال والحمير والمراكب وأضاف الأتراك نوعا من المراكب الشراعية لم يكن معروفاً في السودان تسمى المركب (القياسية) أو ناقلة البضائع و الذهبية ناقلة الركاب , بدأ الخديوي في مد خطوط سكة حديدية حيث بدأ بالفعل بمد خط اتجه جنوباً من حلفا مسافة 75 ميلاً إلا أنه توقف نتيجة اضطرابات مالية.

الصحة


كانت هناك بعض الوبائيات الفتاكة بالسودان مثل الكوليرا والملاريا والجدري فقرر الخديوي فتح مستشفى بعواصم المديريات وأكبر هذه المستشفيات هي مستشفى الخرطوم التي كانت تسع 270 سريراً أما بقية مستشفيات المديرات فقد كانت دون ذلك بكثير كما أنها تفتقر إلى الكوادر الطبية في مجالات عديدة.
استجلب الخديوي مصريين لتعليم السودانيين النابهين مهنة التمريض وقد برع السودانيون في ذلك كثيرا لدرجة أن بعض المرضى يفضلون الممرض السودان عن الطبيب المصري. كان الوضع الصحي وقتئذ يعتبر سيئاً مقارنة بما مضى من عهود وذلك نسبة لحالة الفقر التي ضربت المواطنين جراء الضرائب والإتاوات الباهظة هذا خلاف المعاملة السيئة من قبل المسئولين الأجانب لذا بدأت بعض الأمراض في الظهور إلى السطح بصور ملحوظة مثل الكوليرا والجدري والتراكوما وخلافه.

أسباب نشوب الثورة المهدية ..

1.    العنف والجبروت وسوء المعاملة من قبل الأجانب للسودانيين وانتهاك حرماتهم على أكثر من صعيد.

2.    الضرائب وسوء طريقة التحصيل.

3.    ظلم الحكام للرعية .

4.    العامل الديني فكرة المهدي المنتظر هذه يؤمن بها الإسلاميون على اختلاف مذاهبهم بما في ذلك السنيين والشيعة وخاصة وأنه (أي المهدي) في نظر السنيين يظهر عندما يشتد الكرب وتعم البلايا فيملأ الأرض عدلاً ويرفع الظلم عن الناس كل هذه العوامل هيأت السودانيين لاستقبال فكرة المهدي والذي وحدهم تحت لواء (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وبذلك ألغى الحواجز القبلية والثقافية .

بدأت رقاع الإيمان بالمهدي تتسع شرقاً وغربا وملأت سيرته معظم أفريقيا شمال وجنوب الصحراء وقد جلبت لهذه الدعوة المقبولة حسد المصريين والأتراك الذين بقوا بالسودان زائداً خوف الإنجليز من أن يتحد السودان مع إثيوبيا التي هزمت إيطاليا في معركة عدوة الشهيرة عام 1869م.

أول معركة مع الأجانب للمهدي كانت بالجزيرة أبا 1881 وحقق فيها نصرا ليس له نظير والثانية كانت بجبال قدير بغرب السودان حيث لجأ المهدي وأتباعه لمهاجمة محمد سعيد باشا مدير كردفان هناك إلا أن جنود المهدي أرعبوه فأثر الانسحاب الفوري وهكذا بدأ المهدي ينتصر من معركة إلى أخرى الشيء الذي أكسبه كثيراً من الغنائم والدعم المعنوي والخضوع له فتحول من الدفاع إلى الهجوم وأول ذلك كان حصار الأبيض 1882 ثم الاستيلاء عليها.

أما أكبر نصر حققه المهدي فكان على هكس باشا عام 1883م في شيكان والتي تقع في شمال كردفان الحالية.
بعد ذلك بدأت المخاوف تدب في صدور الإنجليز من هذا الإسلامي الثائر فقررت ارسال حملة بقيادة غوردون باشا 1883م – 1885م.، ما أن أستقر غوردون في الخرطوم وبدأ في تصريف الأمور حتى بدأ الثوار يتدفقون صوب الخرطوم فحاصروها وحاصروا كذلك مدينة أم درمان وكانت أعدادهم تفوق 60.000 محارباً وصدورهم مليئة بالعزائم والإيمان فكتب المهدي إلى غوردون يرجوه التخلي بالحسنى عن الحكم أكثر من مرة ولم يكترث غوردون لذلك حتى قرر المهدي الهجوم على الخرطوم وأحتلها تماما وقتل غوردون بقصر الرئاسة على يد أحد الثوار وكان ذلك في 26/1/1885م.

لم يمتد الأجل بالمهدي طويلاً حيث توفي عقب فتح الخرطوم وخلفه الخليفة عبد الله التعايشي 1885-1898 وكان أخر خليفة للمهدي إذ لم يخلفه أحد نتيجة الغزو الإنجليزي المصري للسودان 1898م.


السودان في عهد الحكم الثنائي 1898-1956م

شكلت اتفاقية الحكم الثنائي المرتكز السياسي والدستوري لإدارة السودان لأكثر من نصف قرن، وقد ساعد على انفاذها ظروف محلية. وإقليمية وعالمية برهنت على السودان لا يمكن أن يقف بمنأى عن التوسع الاستعماري والأحداث في العالم العربي خاصة وأنه يتوسط أفريقيا ويزخر بالعديد من الثروات الطبيعية التي كانت مطمع الكثير من الغازين.

نجد أن مصر كانت هي البوابة الشمالية للسودان والدلالة على ذلك أن الفراعنة والفرس واليونان والرومان والعرب والأتراك والبريطانيين الذين احتلوا مصر وجدوا أنه لا مناص من مد نفوذهم جنوباً داخل الأراضي السودانية. لم يكن ذلك تأمينا لحدود نفوذهم الجنوبية لمصر بقدر ما هو طمعاً في ثروات السودان
قررت الحكومة البريطانية في مارس 1896م ودون استشارة الحكومة المصرية غزو السودان وقد تكونت هذه الحملة من جنود مصريين وبريطانيين. أما السبب وراء هذا القرار الفجائي هو هزيمة الأحباش لايطاليا في معركة عدوة الشهيرة والخوف من أن يقوم حلف بين السودان وإثيوبيا ضد النفوذ الأوربي في القارة الأفريقية، أما السبب الثاني فهو بداية ظهور الخطر الفرنسي في أعالي النيل الذي هدد المصالح البريطانية في وادي النيل بالإضافة إلى ذلك فقد أملت مصلحة بريطانيا في السودان لمصر ضرورة تأمين وادي النيل وقناة السويس كما كانت النظرة البريطانية لسهول الجزيرة الخصبة كمنطقة إنتاج للقطن وإغراق مصانعها بهذا المحصول الذي تفتقر إليه بريطانيا أحد مرامي الاستراتيجية البريطانية.


قام اللورد كرومر مهند الغزوة البريطانية المصرية على السودان بايجاد نوع من الحكم يمكن بريطانيا من أن تكون الحاكم الفعلي للسودان ويقنع المصريين بأنهم شركاء في حكم السودان ومن ثم قبولهم الصرف على إدارته كما فعلوا في الصرف على الحملة.

بعد غزوة السودان بدأ الإنجليز في تنفيذ سياستهم في السودان فوضعوا حدودا جغرافية جديدة للسودان وأبقوا على أسماء المديريات وبعض الملامح الإدارية إلا أنهم قلصوا عدد الإداريين بالسودان إلى تسعة أشخاص بدلاً من ثلاثة عشرين حكمداراً إبان الحكم التركي.

أما الجهاز التشريعي فقد تكون من الحاكم العام ويليه المفتش العام والسكرتير الإداري والمالي ثم رؤساء المصالح الحكومية عامة بالإضافة المصلحة المخابرات.

نظرا لقلة السودانيين المتعلمين فقد استعانت حكومة الحكم الثنائي بضباط مصريين في وظيفة مآمير وضباط بوليس وكذلك تم تعيين مصريين كمدرسين وقضاة بالمحاكم الشرعية إلا أن الإنجليز كانوا يتحكمون في هذه الأعداد خوفاً من انتشار الدعاية المصرية المعادية لبريطانيا في السودان.

من أهم التطورات الإدارية في نهاية العقد الأول للحكم الثنائي قيام مجلس الحاكم العام 1910م وهي هيئة استشارية مصرية كما رفض ونجت باشا اقتراح الحكومة البريطانية بأن يكون هناك عضو سوداني في المجلس بحجة أنه ليس هنالك سوداني مناسب لهذا المنصب.

أعطت الحكومة الغازية زعماء القبائل وشيوخها صلاحيات واسعة وأخرى قضائية خاصة زعماء قبائل الرحل بحكم طبيعة نشاطهم الاقتصادي وقد كان ذلك في 1922م. كما أن أحداث ثورة 1919م في مصر دفعت الحكومة البريطانية إلى طرد كثير من التنفيذيين المصريين بالسودان.


أما في مجال التعليم فقد كانت سياسة الحكومة البريطانية حيث جعلت استراتيجيتها هي إعطاء فرص قليلة جداً للسودانيين في التعليم شريطة أن يكون تعليماً مهنياً لكي يربط بين الدراسة والوظيفة وبذلك يمكن تفادي انتشار الوعي والانتفاضات الوطنية بعد أحداث ثورة 1924م وإمعاناً في تهميش دور التعليم فقد ضمت المعارف إلى مصلحة الخدمات الصحية والبيطرية ليرأسها شخص واحد لا خبرة له في مجال التعليم وكان ذلك في عام 1927م.
نتيجة هذا الامتهان قام مؤتمر الخريجين السودانيين في عام 1939م بكتابة مذكرة احتجاج على النظام الثنائي يبن فيها مثالب السياسة التعليمية والإجحاف الواضح في حق أبناء السودان في التعليم وأمنت المذكرة على أن يكون التعليم عربياً إسلامياً على ذات النسق الذي كان سائداً في الدول العربية وليس تعليماً وثنياً أفريقياً كما شددت المذكرة على التعليم في جنوب السودان الذي لم ينل شيئاً من الوعي والاهتمام.
جنوب السودان في ظل الحكم الثنائي:

كان واضحاً أن حكومة الحكم الثنائي قد أغفلت الجنوب في كل المناحي الخدمية والصحية والتعليمية وكانوا ينظرون إليه كمعبر للنيل وهنا فقط تكمن أهمية الجنوب كجزء من السودان المحتل كما منعت الحكومة إنشاء أي مدارس حكومية خشية من انتشار الإسلام واللغة العربية وسط عبد الأوثان في الجنوب بالرغم من تدخل المنظمات التبشيرية في الجنوب إلا أن عدد التلاميذ في الجنوب كله لم يتعد الخمسمائة تلميذاً حتى عام 1920م. كما كثفت البعثات التبشيرية من التبشير بالدين المسيحي في منطقة جبال النوبة خوفا من تأثير العرب الذين يجاورنهم. فقامت عدة ثورات في الجنوب ضد الغزاة الجدد وكانت نظرة قبائل الجنوب للدخلاء بأنهم جاءوا من أجل القتل والسرقة وجمع الضرائب وكانت أخطر هذه الثورات هي ثورة النوير 1927م والتي استخدمت في الحكومة عمليات حربية جوية وبرية. اتبعت الحكمة سياسة جديدة نحو جنوب السودان أعلنت عنها عام 1930م في مذكرة ماكمايكل السكرتير الإداري آنذاك وأهم بنود هذه المذكرة ..

1.    بناء سلسلة من الوحدات القبلية والعرقية على أساس التقاليد والطقوس المحلية.

2.    إبعاد الكتبة والإداريين الشماليين بالتدرج واستبدالهم بعناصر جنوبية.

3.     أن يتعلم البريطانيون اللهجات المحلية لأهل الجنوب وأن تستخدم اللغة الإنجليزية في حالة تعذر فهم اللغات المحلية.

4.    صدور قانون الجوازات والسفر لعام 1922م ليمنح الحاكم لعام ليعلن أي منطقة من السودان منطقة مقفولة.

بينما فصلت مذكرة ماكمايكل الجنوب عن الشمال إداريا وثقافيا ودينياً إلا أنها أغفلت أي خطط أو استراتيجيات لتنمية الجنوب خاصة وأن المذكرة قد أعلنت في وقت كان العالم يئن تحت وطأة الفقر.

كان هدف بريطانيا العمل على كسب السودانيين لا على استعدائهم وأهتم الحكام البريطانيون لحد ما بالإسلام وانتشاره اهتماما يشوبه الحذر لمعرفتهم بقوة الإسلام في توحيد الصفوف. كما فرق البريطانيون بين نوعين من الإسلام كما زعموا إسلاميا صوفيا وسموه الإسلام الشعبي وإسلاما سنيا وسموه الإسلام التقليدي وحاربوا الإسلام الصوفي لأنهم يعتبرونه خطراً على بقائهم وتعاونوا مع العلمانيين والسنيين ليكونوا له عوناً في وضع دعائم الاستقرار.

قام السودانيون بعدة انتفاضات ضد الحكم الثنائي راح ضحيتها الألوف من الوطنيين في مختلف أنحاء السودان وكانت أخطر حركات مقاومة إقليمية في سلطنة دارفور التي أقام فيها السلطان على دينار مملكة مستقلة. وكان إبقاء البريطانيين على وضع دارفور هو الخوف من التبعات المادية إلا أن ظهور الخطر الفرنسي على حدود دارفور واستجابة على دينار للدعاية التركية الألمانية المناوئة ورسائل على دينار الساخنة إلى الحكومة بالخرطوم، دفعت الحكومة إلى القيام بعمل عسكري ضده وقد تم القضاء على علي دينار عام 1916م وبذلك خضعت دارفور لحكومة الخرطوم.

بدأت المفاوضات الوطنية تأخذ أشكالاً عديدة ومختلفة وقد ظهرت في شكل روابط ثقافية ومنتديات فكرية وأشعار بل أغاني تحث الوطنيين على طرد الغزاة. وقد عزز هذه الظواهر بروز مؤتمر الخريجين عام 1938م والذي كان بمثابة قيادة وطنية غير متوجة وغير ذات صلاحيات إلا أنها ذات أثر بليغ في إذكاء الروح الوطنية والتوعية بمخازي الغزاة وتبصير أهل السودان بأنهم ناهبي الثروات. بالإضافة لذلك تم في هذه الفترة تقارب ثقافي وطني بين المثقفين في مصر والسودان وكانت تتم الاتصالات بينهم في شكل رسائل ومقابلات سرية قد خفي الكثير منها عن الإنجليز.


ومن أهم أعمال المؤتمر مذكرته الشهيرة للحكومة عام 1942م بحق تقرير المصير للسودان عقب الحرب. ونتيجة لخوف الإدارة البريطانية من المؤتمر فقد عملت على اختراقه وزرع الفرقة بين أعضائه وفعلاً تقسموا وظهرت الأحزاب السياسية السودانية تحت رعاية الطوائف الدينية.

وهكذا اتقدت نيران التذمر في السودان وبدأ الخناق يضيق على حكومة الإنجليز والمصريين بالمظاهرات والاضرابات والمناشير الثورية والمؤتمرات التي لم تهدأ أبداً. وقد تمخض عن ذلك إعطاء السودان استقلاله من داخل البرلمان في 19/12/1955م